إحياء السنن







إحياء السنن
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الهادي إلى سواء السبيل، جعل القرآن الكريم هدىً للعالمين، ونوراً لمن أراد المرور على الصراط المستقيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين النذير البشير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلي النور،به أخرجهم من ظلمات الشرك إلي نور الإسلام وعدل، وجعل سنته مبينة للقرآن، ومفصلة لمجملة، قال سبحانه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]، جعل أتباعه من أسباب محبة الله -عز وجل- فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[آل عمران: 31]، لا ينطق عن الهوى، فما يقوله إلا الوحي والهدى قال -عز وجل-﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4], الرءوف الرحيم بهذه بأمته﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
بعثه الله -عز وجل- مبشراً ونذيراً، أرسله بالهدى، ودين الحق، جعل في هديه الفوز والفلاح، والخير والرشاد، من سار على هديه كان من الفائزين، ومن أحيا هديه وسنته كان له الأجر العظيم، والثواب الجزيل، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أعاذنا الله جميعاً من الضلال.
لا شك أن السنة النبوية لها أهمية كبيرة، ومكانه عظمية في التشريع الإسلامي، فهي المصدر الثاني في هذا التشريع، وهي المبينة الشارحة للقرآن الكريم، وفي هذا الزمان يجد المتأمل أن كثير من الناس اليوم قد أبتعد عن الهدي النبوي الشريف، مع كثرة الماديات التي أصبح الناس ينامون عليها ويستيقظون عليها، والتغيرات والتحولات التي يشهدها العالم، التي تجعل المسلم ينشغل عن الهدى النبوي، هذا مع الجهل الذي عم كثيراً من بلاد المسلمين رغم الوسائل الحديث الموجودة الا أن تجهيل الأمة متعمد حتى تبقى بعيده عن مصادر التلقي من القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ومن المعلوم أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنة والجماعة يزيد بفعل الطاعات والأعمال الصالحات، وينقص بالمعاصي والسيئات، ولا شك أن الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها من أهم العوامل التي تقوي الإيمان في القلوب وتزيده.
ومن جملة هذه الأعمال الصالحات التي يقوم بها المسلم هي إحياء السنن النبوية من العمل بها، ونشرها وتعليمها الناس كما سيأتي الحديث عنه، وخاصة السنن التي هجر المسلمون أو الأغلب منهم العمل بها، ولا شك أن هذا العمل مع ما فيه من الأجر الجزيل والعظيم من أهم الأمور التي تساعد على تقويه الإيمان والمحافظة عليه.
ففي هذا البحث نتحدث عن تعريف السنة النبوية حتى نفهم ونعلم معنى السنة النبوية المراد إحياء العمل بها وتعليمها ونشرها بين الناس.
مع بيان المقصود من الإحياء، مع التنبيه على أمور مهمة هي كالمقدمة للموضوع ينبغي التنبه لها قبل الحديث عن موضوع إحياء السنن، ونبين بعدها الفضل الحاصل بإحياء سنن الهدى، مع ذكر بعض الأمثلة لبعض السنن التي هجرت عند عموم أفراد الأمة، فلنشرع بالمقصود.
تعريف السنة لغة:
تطلق السنة في اللغة ويراد بها الطريقة والسيرة قال: في لسان العرب والسنة الطريقة والسنن أيضاً،والسنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السّنن وهو الطريق(1).
وفي تاج العروس: والسنة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة كما في الحديث الصحيح: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».(2) وقال الأزهري: السنة الطريقة المحمودة المستقيمة(3).
وتأتي بمعنى الدوام قال الكسائي: معناها الدوام فقولنا سنة معناه الأمر بالإدامة من قولهم سننت الماء إذا واليت في صبه(4), وسنة الله أحكامه وأمره ونهيه.
وقال الراغب: سنة النبي طريقته التي كان يتحراها، وسنة الله -عز وجل- قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته نحو قول تعالى: ﴿سنّة اللّه الّتي قد خلت من قبل ولن تجد لسنّة اللّه تبديلاً﴾ [الفتح: 23]. وقوله تعالى: ﴿ولا تجد لسنّتنا تحويلاً﴾ [الإسراء: 77]. فنبه على أن وجوه الشرائع وان اختلفت صورها فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل وهو تطهير النفس وترشيحها للوصول إلى ثواب الله تعالى.(5)
تعريف السنة في الاصطلاح:
أما السنة في الاصطلاح: فاختلفت فيها عبارات أهل العلم من أهل اللغة والحديث والأصول, وإن اتفقوا على المعنى العام لها بأنها الطريقة المسلوكة في الدين التي تشمل قوله وفعله -صلى الله عليه وسلم- وتقريره من غير افتراض.(6)
قال في النهاية: وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي-صلى اللّه عليه وسلم- ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز. ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أي القرآن والحديث.(7)
ونقتصر في هذا البحث على تعريف السنة عند أهل الحديث فهو المقصود في بحثنا هذا، وباقي التعاريف تنظر في مظانها.
فالسنة عند أهل الحديث: ما أثر عن رسول الله -صلى الله علية وسلم- من قول، أو فعل، أو تقرير أو صفة خلقية، أو خلقية، ولو كان قبل الرسالة(8), فهي عامة تشمل الواجب وغيره.
قال في شرح المعتمد: والسنة في اصطلاح المحدثين: هي ما أضيف للنبي -صلى الله عليه وسلم- من قول، أو فعل، أو وصف، أو تقرير، وهي تقابل الحديث.
ويراد بالقول: كلام النبي المرفوع إليه بإسناد، ويراد بالفعل ما أخبر به الصحابة الكرام، أو التابعون من أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل السلام، أما التقرير: فهو ما رآه من أحوال الصحابة فلم ينكره ولم يأمر به.(9)
المقصود بإحياء السنن:
والمقصود بإحياء السنن هنا هو العمل بهذه السنن، في زمن ترك الناس العمل بها، وكذلك من الإحياء العلم بها ونشرها بين الناس بالقول والعمل، وتعليم الناس هذه السنة، والحث على التمسك بها، والتحذير من مخالفتها.
جاء في فيض القدير: من أحيا سنة أي علمها، وعمل بها ونشرها بين الناس، وحث على متابعتها وحذر من مخالفتها، والسنة ما شرعه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأحكام فقد تكون فرصا كزكاة الفطر، وقد تكون غيره كعيد.(10)
وقبل الحديث في الموضوع لزم التنبيه على بعض الأمور الهامة، وبيانها بشكل موجز: وأول هذه الأمور.
- أهمية السنة النبوية:
ولما كان المطلوب إحياء سنن المصطفي- صلى الله عليه وسلم- كان لابد من مقدمة نعرف من خلالها على أهمية السنة النبوية، ومكانتها في الشريعة الإسلامية ليكون ذلك من العوامل التي تساعد على إحياء هذه السنن.
فالسنة النبوية لها أهمية كبيرة، ومكانه عظمية في الشريعة الإسلامية، فهي المصدر الثاني للتشريع، وهي المبينة للكتاب العزيز قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. فتظهر أهمية السنة من خلال أنها هي المبينة للمصدر الأول للتشريع الإسلامي القرآن الكريم، وهي التي فصلت ما أجمل فيه، وهي ضرورية لفهم القرآن الكريم.
وقد وردت كثير من آيات القرآن الكريم التي تبين مكانة السنة النبوية، وأهميتها، فهي من أصول الدين، وركن من أركانه القويمة، التي يجب أتباعها، والعمل بها، والفوز والفلاح لمن تمسك بها، من هذا الآيات قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]. وقوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرسَلنَاكَ عَلَيهِم حَفِيظاً﴾ [النساء: 80]، وقوله تعالى: ﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرجُو اللَّهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: 21]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: 36].
ومن السنة النبوية كثير من الأحاديث التي تبين ذلك، وتدل على ضرورة التمسك بالسنة، والعمل بها وتعليمها الناس، كما سيأتي في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
فعن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال«ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا انى قد أوتيت القرآن ومثله، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغنى عنها صاحبها»(11).
- ضرورة أتباع السنة واجتناب البدع:
فيجب على المسلم تحرى استعمال السنن في أفعاله وأقوال وتصرفاته، كما أن عليه اجتناب البدع لأن من الناس من يدعي أنه يحيي السنن، وهي مبتدعات ما أنزل الله بها من سلطان، فالمسلم مطالب بإحياء سنن المصطفي - صلى الله عليه وسلم- لكن قبل الإحياء لابد من معرفة هذه السنة وثبوتها عن النبي- صلى الله عليه وسلم-، ويكون ذلك بالعلم، أو بسؤال أهل العلم عنها، حتى لا يقع في البدع، وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من البدع، فهي ضلال وانحراف عن الهدى النبوي.
فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «يخطب حتى تحمر عيناه ويعلو صوته، ويشتد غضبه، كأنه نذير جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين يفرق بين السبابة والوسطى، ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وإن شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة»(12).
وقال -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة »(13).
وعن عائشة-رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد»(14).
وأمر- صلى الله عليه وسلم- بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين فقال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواخذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»(15).
وبين -صلى الله عليه وسلم- سبيله الذي يجب أتباعه، وحذر من سبل الشيطان وطرقه فعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنه- قال: «كنا جلوسا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فخط خطا هكذا أمامه فقال هذا سبيل الله عز وجل وخطين عن يمينه وخطين عن شماله قال هذه سبيل الشيطان ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية»﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153].(16)
كما أن الابتداع من أسباب موت السنن، فلا يبتدع الناس بدعه إلا وأماتوا بهذه البدعة سنه يقول حبر الأمة ابن عباس-رضي الله عنه-: ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن.(17)
- الاشتغال بالسنة من أفضل القربات:
فمن أفضل القربات والطاعات الاشتغال بالسنن النبوية، سواء كان ذلك من جهة حفظها، أو تعليمها للناس، أو العمل بها، أو نشرها بين الناس، وإحياء كثير من السنن التي تركها الناس، أو تناسوها كيف لا يكون هذا من أفضل القربات وهي متعلقة بسيد الأنام ومعلم البشرية الذي لا ينطق عن الهوى محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
يقول الإمام النووي -رحمه الله-: فالانشغال بالحديث من اجل العلوم الراجحات، وأفضل أنواع الخير وآكد القربات، وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل مع ما ذكرناه على بيان حال أفضل المخلوقات عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والتبريكات، إلى أن يقول -رحمه الله- وقد جاء في فضل إحياء السنن المماتات أحاديث كثيرة معروفات مشهورات فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات ولكونه أيضا من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وللائمة والمسلمين والمسلمات وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله وصحبه وذريته وأزواجه الطاهرات.(18)
وإحياء السنن، ونشرها بين الناس وتعليم الناس هذه السنن النبوية الكريمة من الدعوة إلى الله -عز وجل- التي أمرنا بها كما في قوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: 87]، وقال سبحانه﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
فالدعوة وظيفة الرسل الكرام، وأتباعهم الذين هم خلفاء الرسل، فهم الذين يبلغون للناس سنن المصطفي من بعده، فهم ورثة الأنبياء، يدعون من ضل عن الصراط المستقيم، وهدى رب العالمين هم الذين قال عنهم الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى ويحيون بكتاب الله أهل العمى كم من قتيل لإبليس قد أحيوه وضال تائه قد هدوه بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح اثر الناس عليهم يقبلونهم في سالف الدهر والى يومنا هذا فما نسيهم ربك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: 64]، وجعل قصصهم هدى وأخبر عن حسن مقالتهم فلا تقصر عنهم فإنهم في منزلة رفيعة وان إصابتهم الوضيعة.(19)
ونشرع الآن بالمقصود ونبدأ الحديث عن فضل إحياء السنن.
فضل إحياء السنن:
حصول الأجر الكثير:
قد ورد في السنة النبوية ما يدل على حصول الأجر العظيم لمن أحيى السنن، فالأجر الكثير حاصل له ولمن عمل بهذه السنة يحصل له من الأجر مثل ما يحصل لهم من الأجر وكفى بهذا فضلى فعن كثير بن عبد الله هو ابن عمر بن عوف المزني عن أبيه عن جده: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لبلال بن الحرث أعلم قال ما أعلم يا رسول الله! قال: «أعلم يا بلال» قال ما أعلم يا رسول الله؟ قال«من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا»(20).
وفي رواية أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة فعمل بها كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئا»(21).
قال ابن عبد البر -رحمه الله-: "حديث هذا الباب أبلغ شيء في فضائل تعليم العلم اليوم والدعاء إليه وإلى جميع سبل البر والخير لأن الميت منها كثير جدا، ومثل هذا الحديث في المعنى قوله صلى الله عليه وسلم ينقطع عمل المرء بعده إلا من ثلاث علم علمه فعمل به بعده وصدقة موقوفة يجري عليه أجرها وولد صالح يدعوله"(22).
وقد ذكرنا سابقاً أن المقصود من إحياء السنن العمل بها، والدعوة إليها، وتعليمها الناس ومن هذا الباب ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة فعليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا»(23).
فالدعوة إلى إحياء سنن المصطفي-صلى الله عليه وسلم- لا شك أنه من الدعوة إلى الهدى والخير، وكذلك تعليمها الناس، ونشرها بينهم فيحصل هذا الأجر العظيم الذي ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن دعا إلى تعلم السنن وإحيائها فهي دعوة إلى الهدى الذي جاء به معلم البشرية محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من سن سنة حسنة فعمل بها بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا»(24).
ومن هذا الباب ما حكاه لنا جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطؤا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه قال ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء»(25).
ففي هذه الأحاديث الحث منه -صلى الله عليه وسلم- على تعليم السنن الحسنة، والحث عليها، ونشرها بين الناس، وتحريم سن الأمور السيئة، ونشرها بين الناس.
المتمسك بالسنة له أجر شهيد:
وكذلك من الأجر الذي يحصل لمن يتمسك بالسنة، في زمن ترك التمسك بها، ويعمل على نشرها وتعليمها للناس في أخر الزمان يكون أجره أجر شهيد، وفي رواية مائة شهيد، وفي هذا دليل على فضل التمسك بالسنة في أخر الزمان، والعمل على إحيائها بين الناس.
فعن عطاء عن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «المستمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد» وفي رواية: «له أجر مائة شهيد»(26).
قال المناوي -رحمه الله-: "وذلك لأن السنة عند غلبة الفساد لا يجد المتمسك بها من يعينه بل يؤذيه ويهينه فيصيره على ما يناله بسبب التمسك بها من الأذى يجازى برفع درجته إلى منازل الشهداء"(27), والحاصل أن التمسك بالسنة هو من معاني الأحياء للسنن وهو المقصود هنا.
مرافقة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة:
وإحياء سنن النبي- صلى الله عليه وسلم- يستحق صاحبها أن يرافق سيد البشر في الجنة كيف لا؟ وهو قد أشاع ونشر هذه السنة بين الناس، وعلمهم هذا الخير الذي قد غفلوا عنه، فالمحيي لهذه السنن يكون أهلاً لحصول المحبة من النبي- صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن من أسباب المرافقة لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- في الجنة مصداق ذلك ما رواه لنا أنس بن مالك-رضي الله عنه-: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل ثم قال لي يا بني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة»(28).
الدال على الخير كفاعلة:
وإحياء السنن وتعليمها الناس والعمل بها من الدلالة على الخير والدال على الخير كفاعلة يحصل له الأجر بإحياء هذه السنة والعمل بها فعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»(29), يقول الإمام النووي-رحمه الله-: وفي الحديث فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله(30)ويدخل في ذلك نشر الخير، والعمل به، وتعليم الناس.

                                                                     جمع وإعداد: خالد حسن محمد البعداني
                                               بتاريخ: 13/ جماد الثاني/ 1428هـ, الموفق: 28/ 6/ 2007م
مراجعة: علي عمر بلعجم 9/ 7/ 2007م
__________________________
(1) لسان العرب: 13/ 220، ابن منظور الأفريقي.
(2) رواه مسلم: 4/ 2058، برقم 1017.
(3) تاج العروس: 1/ 8075، وانظر النهاية في غريب الحديث والأثر: 2/ 1022 أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، وانظر التعريفات: 1/ 161، الجرجاني.
(4) إرشاد الفحول: 1/ 52.
(5) انظر مفردات القرآن: 1/ 720، الراغب الأصفهاني.
(6) أنظر التعريفات: 1/ 161، أنيس الفقهاء 1/ 106
(7) النهاية في غريب الأثر: 2/ 1022، وانظر لسان العرب: 13/ 220، وتاج العروس: 1/ 8075.
(8) مصادر التشريع الإسلامي: ص 109. وانظر في تعريف السنة توجيه النظر إلى أصول الأثر: 1/ 40, طاهر الجزائري الدمشقي
تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.
(9) شرح المعتمد: 1/ 38.
(10) فيض القدير: 2/ 9.
(11) أخرجه أبو داود: 2/ 610, برقم: 6404، والترمذي: 5/ 38, برقم: 2664، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 441، برقم: 4408.
(12) أخرجه مسلم: 2/ 592، برقم: 867، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-.
(13) أخرجه أبو داود: 2/ 610، برقم: 4607، والترمذي: 5/ 44، برقم: 2676، وابن ماجة: 1/ 18، برقم: 46، وهذا لفظه، وقال الألباني: صحيح، أنظر صحيح الترغيب والترهيب: 1/ 10، برقم: 37.
(14) أخرجه البخاري: 2/ 959، برقم: 2550، ومسلم: 3/ 1343، برقم: 1718.
(15) سبق تخريجه وهو من حديث العرباض بن سارية السلمي-رضي الله عنه-، انظر الحاشية: رقم: 11.
(16) أخرجه ابن ماجه في سننه: 1/ 6، برقم: 11، وأحمد في المسند: 3/ 397، برقم: 15312، وهذا لفظه، وقال الألباني: صحيح، أنظر صحيح ابن ماجة: 1/ 7، برقم: 11.
(17) أنظر هذا الأثر في المعجم الكبير: 10/ 262، برقم: 10610.
(18) باختصار من شرح النووي على مسلم: 1/ 4.
(19) أنظر هذا الأثر في جلاء الأفهام: 1/ 416.
(20) أخرجه الترمذي: 5/ 45، برقم: 2677، قال أبو عيسى هذا حديث حسن، والطبراني في المعجم الكبير: 17/ 16، برقم: 10، وقال الشيخ الألباني: ضعيف، أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 289، برقم: 2890.
(21) أخرجه ابن ماجه: 1/ 76، برقم: 209، ومسند عبد بن حميد: 1/ 120، برقم: 289، وقال الشيخ الألباني: صحيح لغيره.
(22) التمهيد: 24/ 329.
(23) أخرجه مسلم: 4/ 2060، برقم: 2674.
(24) أخرجه مسلم: 4/ 2058، برقم: 1017، من حديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه-.
(25) أحرجه مسلم: 4/ 2058، برقم: 1017.
(26) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط: 5/ 315، برقم: 5414، وحلية الأولياء: 8/ 200، وقال الألباني ضعيف، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1269، برقم: 12683، وقال الهيثمي: فيه محمد بن صالح العدوي ولم أر من ترجمه وبقية رجاله ثقات انتهى وقد رمز المصنف لحسنه أي السيوطي، انظر فيض القدير: 6/ 261.
(27) فيض القدير: 6/ 261.
(28) أخرجه الترمذي: 5/ 46، برقم: 2678 وقال هذا حسن غريب من هذا الوجه، والطبراني في المعجم الصغير: 2/ 100، برقم: 856، وقال الشيخ الألباني: ضعيف، أنظر ضعيف الترمذي: 1/ 317، برقم: 501.
(29) أخرجه مسلم: 3/ 1506، برقم: 1893.
(30) شرح النووي على مسلم: 13/ 39.

تعليقات